الرئيسية - مقالات وأراء - مقالات - صفقة القرن لن تكون “أوسلو” ثانية!

صفقة القرن لن تكون “أوسلو” ثانية!

يا جرحُ تفتّح يا جرح
با أهلي هاتوا الِملح
حتى يبقى حيّاً هذا الجُرح
حتى يبزغُ من ظلمِ الليل الصّبح

مرآة الجزيرة – زينب فرحات

هي كلماتٌ من القاموس النضالي لمؤسّس حركة الجهاد الإسلامي في فلسطين الشهيد القائد فتحي الشقاقي، ألزمت مسار الصراع مع الصهيونية العالمية بترسيخ مبدأ المقاومة كمطلب رئيسي من لوازم حياة الإنسان، والذي يحتاجه الواحد منّا نحن الذين كُتب علينا القتال كما يحتاج الماء والهواء وإلا قُضي الأمر بالزوال لا الموت فقط لإن “الشهداء أحياء”.. من الصعب جداً أن يفهم مستعمر كالإسرائيلي شعباً بروحيّة الشهيد الشقاقي، أي يتلذّذ بالآلام ويسعد بها، ومن المستحيل أن يهزمه.

منذ تأسيس الكيان الإسرائيلي على الأراضي الفلسطينية المغتصبة، لا يزال الإسرائيليّون يبذلون جهوداً حثيثة لهدم مبدأ المقاومة في مسار الصراع، فصحيح أن “اسرائيل” ترتكب الجرائم وتسحق الأبرياء، لكن التجربة أثبتت أن العنف لا يواجه إلا بالعنف المضاد، وبالتالي كلما أقدم الإحتلال خطوة تقدّمت المقاومة في وجهه خطوات، هذا من جهة، ومن جهة أخرى، بالرغم من أن الأهداف والمشاريع المرحليّة التي حققتها “اسرائيل” على مستوى انسجام النظام الداخلي، وتوسيع العلاقات الدولية، إلا أنها فشلت بأن تكون كياناً طبيعيّاً في العالم، سيما في الدول الغربية التي تمتلك بها شركات ضغط ضخمة حيث لم تفلح بإستثمار ملاحم الماضي لشرعنة الإحتلال، أما في المنطقة على وجه الخصوص، فلم تخرج صولاتها وجولاتها مع الأنظمة السياسية عن الإطار الرسمي فيما اندحرت كل مشاريع الإختراق التطبيعي الإسرائيلي للشعوب.

تعد صفقة القرن نتيجة بديهية للهدف الذي وضعه الكيان الصهيوني بالسيطرة المباشرة على فلسطين والبيئة الإقليمية المحيطة وبإعدام كل حركات المقاومة المسلحة وفق مخرجات أوسلو التي لا يزال الشعب الفلسطيني يتكبّد نتائجها على كافة الأصعدة، لكن عندما فشل العدو في إرضاخ المقاومة اتجه بعد كل هذه السنوات ليحقق أهدافه تحت مسميّات أخرى ووعود كاذبة، وبدلاً من أن تسير على قاعدة “الأرض مقابل السلام”، جاءت على قاعدة “المال مقابل السلام”، بهندسة كوشنريّة فاشلة.

صفقة القرن فشلت

ملامح إسقاط الصفقة، بدت واضحة قبل أن تولد، ذلك أنها لم تخرج من دائرة الدول المطبّعة مع الكيان الصهيوني والمؤيدة له علناً كالسعودية والبحرين وعمان وغيرها، إذ يمكن القول أن المؤتمر سيكون عبارة عن مناقشة أفكار متّفق عليها مسبقاً بين مجموعة أطراف متعاونة مع بعضها البعض، بيد أن سقوطها انتهى منذ فشل إقناع الجانب الفلسطيني الذي مورس حياله ضغوطات كبيرة من قبل ولي العهد السعودي محمد بن سلمان الذي أُوكلت إليه هذه المهمّة ومن خلال وقف دعم منظمة غوث اللاجئين “انروا”، وإغلاق مكتب منظمة التحرير الفلسطينية في واشنطن وما إلى ذلك. ما يعني أن الجهود الترامبية لم تنجح حتى الآن بإستمالة طرف جديد لجبهته بل لا يزال الوضع على حاله منذ اعترافه بالقدس عاصمة للكيان الصهيوني.

وبالنتيجة، لا شك في أن نجوم وروّاد مؤتمر المنامة سيتلقون صفعة مدويّة جراء الإجماع الفلسطيني التام على إسقاط المشروع الإسرائيلي الجديد، وذلك في ظل إسناد ودعم كبيرين من قبل محور مقاوم على أهبّ استعداداته لمواجهة أي تمدّد صهيوني مستجد خارج خارطة 1967، مهما غرّدوا وكتبوا وألقوا من خطابات وعقدوا من مؤتمرات، ناهيك عن حالة الغليان البارزة التي شهدتها المنطقة – ولا تزال – في الأوساط الشعبية والإعلامية والحزبية الرافضة كل الرفض لصفقة القرن وكل ما من شأنه المساس بحقوق الفلسطينيين بما في ذلك حق العودة.

الحروب ضريبة الرفض

إن الإدارة الأمريكية والكيان الصهيوني يعملان وفقاً لصيغة انتقامية، يعني أن كل دولة أو حزب أو فئة مؤثرة في هذا العالم لا يخضع لهما سيواجه حتماً ضربة ممنهجة، فتلك سوريا التي رفضت الإذعان للكيان الصهيوني وحفظت القضية الفلسطينية كانت ضريبتها حرب عاتية بمشاركة مئات الآلاف من التكفيريين من مختلف دول العالم، وها هي الجمهورية الإسلامية في إيران تكبدت حرب استمرت لثماني سنوات دُعم خلالها صدام حسين من مختلف دول العالم ولا تزال تتحمل ضريبة السيادة ودعم فلسطين، وأيضاً لبنان الذي جعله الصهاينة مسرحاً للقتال بغية فصله عن البيئة الإقليمية، ولذلك من المرجّح أن تتكرر ذات المشهدية مع فلسطين بعد رفضها لصفقة القرن، لكن المفارقة هي أن المقاومة الفلسطينية اليوم أقوى من أي وقت مضى لسبب جوهري هو الوحدة التي حصّنت الجسد الفلسطيني ضد الرصاص الغادر، بالإضافة لعامل آخر مهم جداً لناحية التوقيت الزمني وهو تفرّغ محور المقاومة لفلسطين بعد حروب دامية ضد الإرهاب، هذا عدا عن القوّة العسكرية الإيرانية المتصاعدة التي أدّبت العدو وأذهلت الصديق، وأرضخت الإمكانات العسكرية الامبريالية والصهيونية، حتى بات يُحسب لها ألف حساب بين مسافة الحلم والقلم.

في أثناء رحلة شبابية إلى جنين شمالي الضفة، تحدّث يوماً ما الشهيد الفلسطيني باسل الأعرج (المثقف المشتبك) عن دور حرب استنزاف العدو بغرض إرهاقه وكسر شوكته، ملخّصاً كلامه بجملة بسيطة “المقاومة جدوى مستمرة”، وقد عنى في ذلك ضرورة استمرارية العمل المقاوم مهما كانت الظروف لأن فائدة هذا العمل خالدة ولا تنتهي بقتل صاحبه.

لمتابعتنا على وسائل التواصل الاجتماعي
شاركها مع أصدقائك