الرئيسية - النشرة - من وعدِ بلفور إلى صفقةِ العارِ

من وعدِ بلفور إلى صفقةِ العارِ

شوقي عواضة

تأسّس الكيانُ السّعوديُّ على يدِ عبد العزيز آل سعود سنةَ 1902 وبعدَ توحيدِ جميعِ أراضيها في كيانٍ واحدٍ أعلنَ قيامَ (المملكةِ العربيّةِ السِعوديةِ) في 23 سبتمبر 1932م أي قبلَ تأسيسِ الكيانِ الصّهيونيِّ واغتصابِ فلسطين بستةَ عشرَ عاماً .

يقول حاييم وايزمان أوّلُ رئيسٍ للكيانِ الصّهيونيِّ في مذكراتِه:

إنَّ مشروعَ إنشاءِ الكيانِ السّعوديِّ هو مشروعُ بريطانيا الأوّلُ والمشروعُ الثّاني هو إنشاءُ الكيانِ الصّهيونيِّ عبرَ الكيانِ السّعوديِّ مشيراً إلى ما أخبرَهُ به تشرشل الرّئيسُ الأسبقُ للحكومةِ البريطانيّةِ الذى كانُ له الدّورُ الأبرزُ والاساسيُّ في قيامِ الكيانِ الوهابيِّ السّعوديٍّ والكيانِ العنصريِّ الصّهيونيِّ أخبرَني تشرشل : أريدُكَ أن تعلمَ يا وايزمان أنّني وضعتُ مشروعاً لكم يُنفَّذُ بعدَ نهايةِ الحربِ ) الحربِ العالميةِ الثانية( يبدأُ بأن أرى ابن سعود سيّداً علي الشّرقِ الأوسطٍ وكبيرَ كبرائهِ, على شرط ِ ان يتفقُ معكم اولاً ومتى قامَ هذا المشروعُ عليكم أن تأخذوا منه ما أمكنَ وسنساعدُكُم في ذلك وعليكَ كتمانُ هذا السّرِّ ولكن انقله إلى روزفلت فليس هناك شيءٌ يستحيلُ تحقيقُهُ عندما أعملُ
لأجله أنا وروزفلت رئيس الولاياتِ المتحدة الامريكيّة. قامَ الكيانُ السّعوديُّ بدعمٍ وشرطٍ بريطانيٍّ وهو عدمُ تدخُّلِ ال سعود على مرِّ الزّمانِ وتعاقبَ الحكّامُ على العرشِ بأيِّ شكلٍ من الأشكالِ ضدَّ المصالحِ البريطانيّةِ والأمريكيّةِ واليهوديّةِ في البلادِ العربيّةِ والإسلاميّةِ وبالأخصِّ في فلسطين . ومع تأسيسِ الكيانٍ السّعوديِّ بدأ التآمرُ على فلسطين والمسلمينَ والعربِ إذ كانَ أحدُ أهمِّ أهدافِ هذا الكيانِ الوهابيِّ تفريقَ الأمّةِ وضربَ وإضعافَ عناصرِ القوّةِ فيها وتجلّى ذلك في العديدِ من المواقفِ منذُ تأسيسِ هذا الكيانِ. بدأتْ حكايةُ التآمرِ السّعوديِّ الوهابيِّ على فلسطين والمسلمينَ والعربِ مع جون فيلبي كبيرِ الجواسيسِ البريطانيينَ في الجزيرةِ العربيّةِ الذي كان يقودُ قواتِ عبد العزيز آل سعود لتثبيتِ الاحتلالِ السّعوديِّ لمناطقِ الجزيرةِ العربيّةِ بدعمٍ من المخابراتِ البريطانيّةِ والحاكمِ الفعليِّ لمنطقةِ الخليج والجزيرة )اليهوديِّ السير بيرسي كوكس(أولى مهمّاتِ فيلبي كما يقولُ: بتعليماتٍ من بريطانيا وبعد شهرين من وصولي الأردن قمتُ بجولةٍ في أنحاءِ فلسطين , وكانتِ الثّورةُ الفلسطينيّةُ في بدايتها وكانت تُشكّلُ قلقا للإنكليز فحاولَ بعضُهم توسيطَ الأميرِ عبد هللا لدى الثّوّارِ الفلسطينيين لإيقافِ الثّورةِ وبعدَ فشلِ عبد هللا في وساطتِه ، اقترحتُ توسيطَ عبد العزيز الذى أقسمَ لثّوار فلسطين بأنَّ أصدقاءَنا الإنكليزَ تعَّهدوا بحلِّ القضيةِ لصالحِ الفلسطينيينَ وأنّه يتحمَّلُ مسؤوليّةَ هذا العهدِ وقد نقلَ لهم ذلك ابنُه فيصل الذي أصبحَ ملكاً فيما بعد. فكانت تلك أُولى الطّعناتِ الغادرة التي وجَّهها مؤسِّسُ مملكةِ آل سعود إلى فلسطين وشعبِها بل إلى المسلمينَ والعرب .

ويضيف فيلبي: أثناء رحلتي عرَّجتُ على تل أبيب وقابلتُ ديفيد بن غوريون الذى كانَ فرحاً لنجاحِ وساطةِ ال سعود التي أوقفت الثّورةَ الفلسطينيةَ ويكملُ فيلبي مذكراتِه قائلا : عندما قررتُ الذّهابَ إلى الحجاز في مهمةِ حجٍّ لقضاء حاجةٍ ,حمّلَني بن غوريون رسالةً إلى عبد العزيز ال سعود يقول فيها: يا صاحبَ الجلالةِ يا أخي في الله والوطنِ, إنّ مبلغَ عشرين ألف جنيه استرليني ما هو إلا إعانةٌ منّا لدعمِك فيما تحتاجُ إليه في تصريفِ شؤونِ ملكِك الجديدِ في هذه المملكةِ الشّاسعةِ المباركةِ ، وإنّي أحبُّ أن أؤكّدَ لك أنّه ليسَ في هذا المبلغِ ذرةٌ من الحرامِ فكلّه من تبرعاتِ يهود بريطانيا وأوروبا الذين قد دعموك لدى الحكومةِ البريطانية .

ويستطردُ جون فيلبي في مذكراته قائلاً : بعد استفسارٍ عبد العزيز عن بعضِ ما وردَ في الرّسالةِ شرحتُ له انّ اليهودَ هم حكامُ بريطانيا الفعليينَ ولهم الحكمُ والسلطةُ والصّحافةُ والمخابراتُ ولهم النّفوذُ الأقوى وكانوا وراءَ دعمِك فهل ترفضُ التوقيعَ على إعطاءِ فلسطين لليهود. فحمّلني عبد العزيز رسالةً إلى بن غوريون هذا نصُّها : الأخُ بن غوريون, إنّنا لن ننسي فضلَ أمّنا وأبينا بريطانيا العظمى ,كما لم ننس فضل أبناءِ عمِّنا في دعمِنا وفي مقدّمتِهم السير برسي كوكس, ندعو الله أن يحقّقَ لنا أقصى ما نريدُه .وليثبت عبد العزيز وفاءه وصدقه لبريطانيا ولليهود أرسل رسالتَه الشّهيرةَ إلى الضّابطِ البريطانيّ “بيرسي كوكس” سنةَ 1915 والتي يقول فيها :

أنا السّلطانُ عبدالعزيز بن عبدالرّحمن بن فيصل السعود أقرُّ واعترفُ ألفِ مرّةٍ، للسّيد برسي كوكس مندوب بريطانيا العظمى، لا مانعَ عندي من أن أعطي فلسطين للمساكينِ اليهودِ أو غيرهم وكما تراه بريطانيا التي لا أخرجُ عن رأيها حتى تصيحَ السّاعة. منذ تلك اللحظةِ صيغت الحروفُ الأولى (لصفقة القرن) التي توالت فصولُها مع كلِّ خائنٍ من ال سعود اعتلى العرشَ دون استثناءٍ .ففي عام 1950 بعثَ الرّئيسُ الأمريكي ترومان رسالةً إلى الملك عبد العزيز آل سعود يجدِّدُ فيها التطميناتِ التي قدّمت للسّعوديةِ في الماضي، مؤكدًا على أن أمريكا مهتمّةٌ بالحفاظِ على استقلالِ السعوديةِ ووحدةِ أراضيها، وعندما تعرّضت السّعودية لمشاكلَ اقتصاديةٍ أثناءَ حكمِ الملك عبد العزيز، تدخّلت أمريكا لحلِّ الأزمةِ مقابلَ تعهّدِ الملك بعدمِ مشاركةِ السّعودية في أيةِ حربٍ يشنُّ العربُ على إسرائيل لتحريرِ فلسطين ليرتفعَ مستوى التعاونِ والتنسيقِ السّعوديِّ الإسرائيليّ في العلاقاتِ السّريّةِ منذُ بداية الستينياتِ من القرنِ الماضي، حيثُ كانت السّعوديةُ تضغطُ على منظمةِ التّحريرِ لصالحِ إسرائيل، وقطع الدّعم عن منظّمةِ التّحرير ولتضربَ أيضا عناصرَ القوّةِ في الأمّةِ خاضت حرباً شرسةً ضدّ الرّئيسِ الرّاحلِ جمال عبد الناصر في اليمن وتنسيقها ضدّ مصر مع الكيانِ الصّهيونيّ وشاه إيران ضدّ مصر وضرب الوحدةِ السّوريةِ المصريةِ وتدمير الدّولِ العربيّة الواحدة تلو الأخرى كلّ ذلك كان يتزامنُ مع تقديمِ ملوكِ السّعوديةِ مبادراتِ السّلام الوهميِّ الذي يندرجُ ضمنَ المخطّطاتِ الأمريكيةِ البريطانية الإسرائيليّةِ السِعودية التي أدّت تدريجيّاً إلى صفقةِ العار.

كانَ الملكُ فهد أوّل مبادر للسّلام مع الكيان الصّهيونيّ حينَ أعلن في قمّةِ فاس عام 1982عن مبادرتِه للسّلامِ تلتها مبادرةُ الملك عبد الله آل سعود في قمةِّ بيروت عام 2002، لتتوطّد العلاقاتُ (السّعودية الاسرائيلية)وتتوّج بما يُسمّى (صفقة القرن)التي تخلّلها زياراتٌ متبادلةٌ لمسؤولينَ في الكيانينِ من ضمنها ما كشفَ عنه العام الماضي رئيس أركانِ العدوٍّ الصّهيوني غادي آيزنكوت عن لقاءِ ولي العهد السّعودي محمد بن سلمان برئيس مجلسِ الأمنِ القوميّ الصّهيوني مئير بن شبات ، مشيراً إلى أنَّ هناكَ تطابقَ مصالحَ بين تل أبيبَ والرّياض في مواجهةِ التّهديدِ الإيراني، على حدِّ قوله . تلك هي مملكة ال سعود التي اتخذت من العروبةِ شعارا من أجل استعداءِ إيران الثّورة التي دعمتِ المقاومةَ في فلسطين ولبنان وشكلَّت سدّاً منيعاً في مواجهةِ المشروعِ الأمريكي وكانت شريكةَ انتصاراتِ المقاومة في لبنانَ وغزة وفي مواجهةِ المدِّ الدّاعشيّ التكفيريّ والإرهابيّ المدعوم سعودياً ومن الإماراتِ والبحرين في سوريا والعراق ولبنان واليمن وهزمته شرَّ هزيمة . وذاك هو (خادم الحرمين ) الذي رفع القرآنَ على الرّماحِ للتّحكيمِ في فلسطين وسوريا والعراق واليمن وليبيا والسودان .وتلك هي مملكةُ الإرهاب التي موّلت كلّ حثالةِ العالمِ ومرتزقيها لتخوضَ حروباً بالوكالةِ عن حلفائِها في الكيانِ الصّهيونيّ والولايات المتحدة وغيرهم. تلك هي المملكةُ التي ترفعُ شعارَ التوحيدِ لتجزئ وتدمّرَ كلّ وحدةٍ للعربِ والمسلمينَ والتي ترأست قرارَ مجلسِ التّعاونِ الشّيطانيّ المنعقدِ في الرّياض للدّورة 138 وقرارَ وزراءِ الدّاخلية العربِ المنعقد في تونس للدّورة 33، وقرارَ وزراءِ الخارجيّة العرب المنعقد في مقرِّ جامعةِ الدّولِ العربيّةِ في القاهرة باعتبار حزبِ الله منظّمةً ارهابيةً . لذا فإنّ صراعَنا مع ال سعود هو صراعٌ وجوديٌّ وليس حدودياً حيثُ أنّه يخوضُ حروباً إلغائيّةً ضدّ الأحرارِ والشّرفاء في العالمِ ورغم انهزام مشروعِه بكلّ امكانياته وترساناته العسكريّةِ وكلّ الدّعم الأمريكي والصّهيوني له في لبنانَ وسوريا والعراق واليمن والذي لم يحقّقُ أي إنجازٍ عسكريٍّ ولم يحصد سوى المزيدِ من الدّمار والمجازرِ بحقِّ المدنيين والأطفالِ والنّساء ليتفوّقَ على الإرهابِ الصّهيونيِ بارتكابه للمجازر بحقّ الأبرياءِ أصبح من الواجبِ اجتثاثُ الكيانِ السّعودي المحتلِّ للحرمين الشّريفين ولأرضِ الحجاز كاجتثاث الكيان الصّهيونيّ من الوجودِ وليس من فلسطين فحسبُ .وصفقةُ العارِ لن تكون سوى محفّزٍ لاستنهاضِ الأمّة بضرورةِ زوالِ كياناتِهم الغاصبة بعزم المقاومينَ وبأسِهم وبدماءِ الشّهداءِ وإنّ غداً لناظرهِ قريبٌ .

لمتابعتنا على وسائل التواصل الاجتماعي
شاركها مع أصدقائك