الرئيسية - النشرة - صراع المحاور بين “السعودية” وقطر يُدخل ليبيا في نفقٍ مظلم

صراع المحاور بين “السعودية” وقطر يُدخل ليبيا في نفقٍ مظلم

على امتداد خريطة العالم العربي، تشتعل شرارة الحروب والنزاعات بصورة دائمة، فيما تلوّح الإنقسامات السياسية بحروب مُبيّتة قد تنفجر في لحظةٍ ما. لا كلمات تصف حال الدول العربية اليوم، وتحديداً تلك التي تحتل الجانب الإفريقي من العالم العربي، بدءاً من ليبيا مروراً بتونس والجزائر فمصر وذلك منذ حلول خريفٍ باهت قيل فيه يوماً ما “ربيعاً عربي”، لتتحول المنطقة بأكملها إلى حلبة صراع بين المشروع الوهابي والإخواني وسط مصالح الولايات المتحدة وشركائها الأوروبيين الذين ينتهزون الصراعات لسلب ثروات المنطقة وتثبيت نفوذهم بها.

خاص| مرآة الجزيرة – زينب فرحات

منذ ثلاثة أشهر، تشتعل الحرب في ليبيا بين قوات الجنرال المتقاعد خليفة حفتر من جهة وبين حكومة ما يسمى بالـ”الوفاق الوطني” من جهة أخرى، وذلك في مسار تنافسي يسعى فيه كل من الطرفين إلى السيطرة على البلاد وإقصاء الآخر من المعادلة السياسية. والظاهر أن كلاً منهما يرتكز على دعمِ واحدٍ من طرفين خارجيين هما أيضاً متناحرين على المستوى السياسي والأيديولوجي، فضلاً عن دور اللاعب الأمريكي الذي يُعد الطرف الأخطر في المعركة لكنه يفضّل حتى الآن البقاء في الظل ليُدير الأوضاع عن بعد عبر وكلائه.

في الوقت الذي لقيت به قوات “الوفاق الوطني” دعماً من المحور القطري التركي بإعتبارها تابعة للإخوان المسلمين، انطلق حفتر للبحث عمّن يحتوي تحرّكه العسكري، فمرّ بواشنطن وروسيا وبعض الدول الأوروبية ليلقى رفضاً قاطعاً من قبل تلك الدول. على إثرها اتّجه نحو “السعودية” التي رحّبت به مباشرةً ومن ثم الإمارات ومصر. ومن هنا أقدمت قوات حفتر المتمركزة في الشمال الشرقي للبلاد على إطلاق حملتها العسكرية للسيطرة على العاصمة طرابلس، الأمر الذي ضاعف حدّة الانقسام السياسي داخل مؤسسات الدولة وأدى إلى تمزيق النسيج الاجتماعي وتدهور الوضع الاقتصادي فضلاً عمّا خلفته المعركة من جرائم وإنتهاكات قانونية من قبل الطرفين المتصارعين.

ولمزيد من الحديث حول واقع المعركة الليبية اليوم، يقول المحلل التونسي بلحسن يحياوي أن مبعث الإنقسام الحاصل بين الأطراف السياسية الكبرى في ليبيا، أي قوات المشير خليفة حفتر من ناحية وحكومة السراج من ناحية أخرى، سببه مخرجات إتفاق الصخيرات وخاصة الفصل الثامن المتعلق بالقائد العام للجيش الليبي. مشيراً إلى الارتباط الوثيق بين رئيس المجلس السياسي الليبي فايز السراج والإخوان المسلمين، سيما من خلال الأشخاص الذين يمثّلون حكومته وارتباطاتهم بالمحور القطري التركي، ومن خلال اعتماد هذه الحكومة على الميليشيات والمرتزقة المنتشرة في طرابلس، بحسب قوله.

بلحسن يحياوي

هذه الفصائل، يوضح يحياوي في حديث خاص مع “مرآة الجزيرة”، احتلّت الفراغ الذي تركه رؤساء القبائل في المجتمع الليبي، فأصبح العديد من الأفراد الليبيين يدينون بالولاء لـ”أمراء سرايا الجهاد” أو “أمراء الفصائل”، مثلاً بدلاً من ولائهم لشيخ القبيلة. ويضيف حكومة السراج خاصةً في رفضها، أو في تعاملها السيء مع مخرجات اتفاق الصخيرات أصبحت تعتمد أكثر على هذه الجماعات المسلّحة، وهي الجماعات التي حصلت على دعمٍ كبيرٍ من قطر سواء عن طريق وكلائها في تونس أو مصر. مشيراً إلى أن عملية تسليح هذه الجماعات كانت تجري على قدمٍ وساق وبطرقٍ عديدة تمر عبر المعارضة التشادية، أي شمال تشاد وجنوب ليبيا وهي المعارضة المرتبطة بالدوحة مباشرةً.

في هذه الأجواء، يلفت المحلل التونسي يحياوي، برز نجم خليفة حفتر وهو الطرف الموجود على الساحة الليبية من قبل 2015، إثر اجتياح حلف الناتو لليبيا والقضاء على الدولة الليبية، والقضاء على معمر القذافي.

وتابع الباحث المتخصص بالشأن الليبي، كان حفتر يبحث عن داعمين عبر كل العالم، ذهب إلى روسيا ثم الولايات المتحدة، وحاول أن يغازل بريطانيا وإيطاليا، لكنه لم يحقق نتيجة. كل تلك الدول لا يعنيها انتصار طرف على طرف آخر إنما الحفاظ على مصالحها في ظل الظروف الإقليمية وفي ظل طبيعة المعركة والخصام السياسي الموجود في ليبيا، لذلك كان من صالحها إدامة النزاع في ليبيا.

بلحسن أكّد في سياق كلامه، أنه ليس هناك بين القوى المتحاربة معرفة حول كيفية تقسيم الكعكة الليبية، أو كيفية تقاسم النفوذ، ذلك أنه بحسب قوله كل الأطراف المتواجدة في ليبيا لا تمتلك شرعية تستند على رأي أو صوت الشعب الليبي إنما تعتمد على ما يسمى بالمجتمع الدولي، لذلك هي ملزمة بتقديم واجب الطاعة والولاء بأي طريقة كانت.

وفي ردّه على ارتدادات الصراع بين المحور السعودي الإماراتي من ناحية وبين المحور القطري التركي، اعتبر الكاتب التونسي أن هذين المحورين هما من تأثر بالصراع في ليبيا وليس العكس، موضحاً أنه من منطلق مقولة “عدو عدوي صديقي” حاولت الإمارات و”السعودية” ضرب المصالح القطرية في ليبيا المتمثلة بحكومة السراج. وأضاف “في الحقيقة ليس هناك دعم عسكري بالمعنى المفهوم بل هناك دعم على مستوى القرار، لكن ميدانياً ليس هناك دعم لأي طرف من طرفي النزاع. هناك من يدعم بالذخائر والعربات العسكرية لكن ليس لها تأثير يذكر على مسار المعركة إنما يتم تقديمها بغية ذر الرماد في العيون فميدانياً ليس هناك دعم ممكن أن يحدث فارقاً في حسم المعركة لصالح طرف معين”.

ولفت الباحث يحياوي إلى أنه لا يمكن أن يتم حسبان خليفة حفتر على المحور الإماراتي السعودي، معتبراً أنه هناك التقاء مصالح للطرفين في مواجهة المشروع القطري في ليبيا وغيرها من المناطق، لإن حفتر هو صناعة الولايات المتحدة بحكم طبيعة تكوينه ونشأته لذا يحاول أن يقدم نفسه لواشنطن على أنه الحصان الرابح في ليبيا الآن.

 يحاول حفتر اكتساب شرعية ما في الداخل الليبي من خلال الترويج لمشروع القذافي الإبن أي سيف الإسلام القذافي، حسبما ذكر الباحث الذي بيّن أنه هناك جزء كبير من الشعب الليبي يفضّل حكم القذافي مقابل ما جاء به الربيع العربي إلى ليبيا. وسيف الإسلام يحظى اليوم بثقة مجموعة كبرى من القبائل الليبية لكن في نفس الوقت حفتر لا يصرح بمساندته إنما يومئ بذلك.

أما عن المشروع الأمريكي الذي يقف خلف تدهور الأوضاع في ليببيا، أكد يحياوي أن هذا المشروع يستهدف مختلف دول المنطقة وتحديداً الشمال الأفريقي بدءاً من ليبيا وصولاً إلى جنوب الصحراء، وهذا المشروع لم يتبلور بعد لكنه يقوم على تغيير وجه المنطقة ككل من خلال خلق نماذج مشابهة لما يحدث في تونس.

وأردف: “لكن هذا المشروع لن ينجح دون وجود المعادلة الجزائرية التي يرتكز عليها، وبالتالي جهود جلب الجزائر إلى بيت الطاعة الأمريكي أو على الأقل تشديد النفوذ الأمريكية فيها هو الجسر الذي سيمر عبره المشروع الأمريكي للمنطقة ككل”.

“حين نتحدّث عن ليبيا، نحن نتحدث عن مصالح أوروبية أساساً بدءاً من بريطانيا، إيطاليا، فرنسا، فهؤلاء أيضاً وإن كانت سياستهم على العموم تتبع السياسة الأمريكية، لكنهم سيدافعون عن مصالحهم في المنطقة الليبية لآخر رمق، وهو ما يجعل اللاعب الأمريكي لا يظهر للعلن إنما يقف خلف الستار لتمرير مشروعاته بطريقة أخرى”، يختتم الكاتب والمحلل التونسي بلحسن يحياوي حديثه.

لمتابعتنا على وسائل التواصل الاجتماعي
شاركها مع أصدقائك