النشرةبارزحوارات

الباحث الأمني والاستراتيجي الإيراني مصدق مصدق بور لـ”مرآة الجزيرة”: “السعودية” حتماً على سكة إِشهار التطبيع مع كيان الاحتلال وواشنطن تتوق لتلك اللحظة! 1/2

،، لن تكون الجمهورية الإسلامية الإيرانية في موقف المتفرّج أمام أي من الأخطار التي قد تتولّد من مسارعة عمليات التطبيع والتحالفات الخليجية مع كيان الاحتلال “الإسرائيلي”. بعد إشهار الإمارات والبحرين لعلاقاتهما التطبيعية وتوقيع اتفاقيات تكشف العار الذي تتلطى خلفها هذه الدول الخليجية، منذ عقود، يبدو أن ما تتجه نحوه المنطقة لن يتوقف على توقيع أو تهليل أو احتفاء، بل إنه يحمل رسائل ذات مدى أبعد وأهداف أكبر مما تقتصر عليه الإعلانات من قلب واشنطن، إذ أن الاستهداف لمحور بأكمله أضحى واضحاً. ولاشك أن الدول التي سارعت للتطبيع لم يكن قرارها منفرداً، إذ كل التحليلات تشير إلى أن النظام السعودي كان خلف الدفع الإماراتي والبحريني باتجاه الاحتلال، ورسم مشهدية التأزم في المنطقة وقطع سبل حل الأزمات العربية والإسلامية والانقضاض على القضية الفلسطينية، ومن ثم مواجهة إيران، إلا أن الحسابات الإيرانية ترى من تقريب الأنظمة الخليجية لكيان الاحتلال من جغرافيتها، مسعى يقرّب الاحتلال في نهايته والقضاء عليه.. في حوار “مرآة الجزيرة” الخاص مع الباحث الأمني والاستراتيجي الإيراني مصدق مصدق بور، يسلط الضوء على تبعات التطبيع الخليجي مع كيان الاحتلال ونتائج هذه الاتفاقيات الجالبة للعار..

خاص مرآة الجزيرة ـ سناء إبراهيم

يجزم الباحث الأمني والاستراتيجي الإيراني مصدق مصدق بور بأن خروج العلاقات “الإسرائيلية الخليجية من السرية إلى العلن، كان أمرا متوقعا بالنسبة للمراقبين والمحللين السياسيين الإيرانيين؛ فالاتصالات بين النظام البحريني واسرائيل بدأت بشكل سري في التسعينيات من القرن الماضي وربما قبلها، وأصبحت مملکة آل خلیفة ثاني دولة خليجية تشهر اتفاقا للتطبيع، بعدما سارت على خطى جارتها الإمارات التي وافقت على اتفاق مماثل”، قائلاً “لم یکن مستبعدا أن یقدم حکام البحرين على خطوة التطبيع دون إذن وموافقة من حلیفتها السعودية، وبالتأکید أن بقیة  الأنظمة الخلیجیة تسیر فی الرکب عینه، وأولها سلطنة عمان وقطر والکویت والسعودیة التي ستکون الدولة المطبعة الأخیرة”.

في حوار خاص مع “مرآة الجزيرة”، يشدد الأستاذ بور على أن الولایات المتحدة هي أشد الدول التواقة لوصول قطار التطبيع إلى محطته الأخيرة، وهي العقل المدبر والآمر الناهي في هذا المجال ولاحيلة في يد هذه الأنظمة الهزيلة التي هي نواطير لحراسة المصالح الأمريكية اللامشروعة في المنطقة”، منبهاً إلى أن خروج هذه العلاقات السرية من شرنقتها حاجة يفرضها الاستحقاق الانتخابي الذي يقف أمامه اليوم الرئيس الأمريكي المتعجرف ترامب كورقة انتخابية مخادعة لا سيما في ظل إخفاقاته المتعددة في تحقيق إنجاز مهم بملف السياسة الخارجية يُحسَب له، خاصة مع تراجع في دور ومكانة الولايات المتحدة عالمياً لصالح منافسيها وخصومها الاستراتيجيين (روسيا والصين) من جهة وإخفاقاته الفاضحة إمام محور المقاومة بزعامة إیران .

وفي السياق عينه، يعتبر الخبير الأمني الإيراني  أن ترامب يسعى عبر مهزلة التطبيع إلى ضرب عصفورين بحجر واحدة، فبالإضافة إلى حصوله على ورقة انتخابية زائفة، يسعى أيضا إلى إنقاذ المستقبل السياسي لرئيس الوزراء “الإسرائيلي”  بنيامين نتنياهو وانتشاله من مستنقع أزمته الداخلیة ومن قضبان السجن التي تنتظره نتيجة لفساده المالي والأخلاقي، لضمان الصوت الیهودي الأمريكي لصالحه الذي يذهب عادة لصالح المرشحين الديمقراطيين، مضيفاً “اللافت أن الصوت الیهودي تحول اليوم إلى وقود لإمداد الحملات الإنتخابية للمرشحين المتنافسين في الإستحقاق الإنتخابي الرئاسي القادم؛ فإن ترامب الجمهوري ومنافسه بايدن الديمقراطين، كلاهما يسعى لاستقطاب أصوات الناخبين اليهود على حساب الآخر، ومن هنا، يرى السياسيون والمحللون الإيرانيون أن خطوة التطبيع الخليجي خيانة ليس فقط بحق الإنسان الفلسطيني والكرامة العربية والإسلامية بل أيضا بحق الناخب الأمريكي، لأن الهدف الأساسي والأول لعراب التطبيع دونالد ترامب، من وراء إرغام مشايخ الخليج على رفع السرية عن علاقاتهم وصلاتهم بالصهاينة وإخراجها إلى العلن هو إحباط الخطط التي يعتمدها منافسه بايدن في سباقهما لكسب ود اللوبيات اليهودية، وأصحاب السلطة والمال الذين يتلاعبون بمصير الصندوق الانتخابي في الولايات المتحدة حيث نجد في المقابل بايدن يتعهد بإبقاء سفارة بلاده في إسرائيل بالقدس إذا ما انتخب رئيسا بالإضافة إلى إعادة فتح القنصلية الأمريكية في القدس الشرقية”.

يحاول الخليجيون إدخال “اسرائيل” إلى المنطقة لترسيخ توازن إقلیمي

وعن الأهداف المتعددة لمسار التطبيع، يعرب الباحث الاستراتيجي الإيراني عن اعتقاده بأن “اتفاقات التطبيع الخليجية الخيانية والغبية، ولايخدم المصلحة الانتخابية لترامب يتمثل بالتخلص من هاجس ینتاب الیمین المتطرف وهو هاجس «أمریکا بلا ترامپ» حیث توفر هذه الاتفاقات نوعا من الإطمئنان على أمن الصنيعة “اسرائيل “،  لأنها ستربط أمن هذا الكيان بالمنظومة الأمنية والعسكرية والسياسية في المنطقة”، كما أنها ستسقط ورقة مهمة لدى ترامب حتى لو أعيد انتخابه وهي ورقة ابتزاز الدول الخليجية لأنه لن يكون بمقدور الرئيس الجديد ترامب كان أم بايدن أن يتبجح ببيع الأمن لهذه الدول وخاصة للرياض التي ابتزها ترامب بكثير من الأموال وقال: “لولا أمريكا لما بَقِي حكام الخليج في السُّلطة أُسبوعَين”. ويذكر بأن الرئيس السابق باراك أوباما قد امتنع عن إبرام معاهدة دفاعیة مشترکة مع دول مجلس التعاون، کما لم یعتبر أي هجوم تتعرض له دولة من دول هذا المجلس هجوما علی الولایات المتحدة، وبالتالي فإن هذه الإتفاقيات التطبيعية ستخفف من هواجس “غد بلا ترامب” التي تنتاب حكام البحرين والإمارات و”السعودية” وغيرهم.   ويتابع “في مايو 2010، أعلن الرئيس الأميركي السابق أوباما “استراتيجية الأمن القومي” التي كشفت عن اتجاه الولايات المتحدة إلى تركيز اهتمامها الخارجي (العسكري والاقتصادي خصوصاً) إلى الشرق الأقصى وبالفعل، شهدت السنوات الماضیة وقبل استفحال الصراع بین أمریکا وإيران تجليات هذا النزوع الأمريكي نحو الشرق، خاصة في شكل انحسار الإهتمام بقضايا وتطورات مناطق أخرى من العالم وفي عهد ترامب، أیضا أعید طرح هذا الموضوع، ومن هنا، أری أن خطوات التطبیع یمکن أن تکون خطوات استباقیة للمواجهة مع هذه الإستراتیجیة المجمدة، فیما لو فاز الدیمقراطیون بالرهان الانتخابي المقبل، ولملأ الفراغ الناجم عن خروج أميركا المحتمل من المنطقة حيث سيحاول الخليجيون من خلال إدخال “اسرائيل” إلى المنطقة لترسيخ توازن إقلیمي لصالحهم مقابل المتغیر القادم، طبعا إن استطاعوا إلی ذلک سبیلا وإذا سمح محور المقاومة بذلك“.

 الخبير الاستراتيجي الإيراني، يلفت إلى أن ترامب الذي أخفق في تحقيق مكتسب على صعيد سياسته الخارجية حيال إيران والصين وكوريا الشمالية سوف يستخدم ورقة التطبيع في حملاته الإنتخابیة لیعوض بعض الشيء من تداعيات إخفاقاته في المواجهة مع ملفاته الشائكة ومنها وباء الكورونا وما صاحبها من انتكاسات اقتصادية”.

أما عن موقف الجمهورية الإيرانية من خلفيات اتفاقات العار مع الاحتلال، يقول الخبير الأمني إنه على الرغم من أن إیران تعتبر التطبيع الخليجي مع الكيان “الإسرائيلي” الزائف خيانة كبرى بحق الشعب الفلسطيني وقضيته الوجودية والمصيرية فلسطين والقدس، والتي هي قضية الأمة المركزية، مؤكداً أن”موقف طهران لم يتجاوز حتى الآن حاجز التنبيه والتحذير إلى الدول المطبعة، وهذا يعني أن القيادة الإيرانية لاتتوجس خيفة من التطبيع لأنها تراه قرارا عقيما لا یسمن ولایغنی من جوع وليس بجديد ولم ولن يفرز متغيرا قادرا على قلب معادلة الصراع مع العدو الصهيوني. ويتابع “أن ما يقلق إيران من خروج العلاقات الخبيثة بين هذه الدول وإسرائيل للعلن، هو تحول الحکام العرب المتهورين الذين لم يتعلموا من التاريخ دروسه وعبره إلى مطية لتحقيق المآرب والمخططات الصهيونية في منطقتنا الإسلامية وتقويض الرصيد المتبقي من فرص إعادة اللحمة بين الدول العربية والإسلامية بعد التباعد والاختلافات التي شابت العلاقة بينها، ولا سيما في هذه الفترة العصيبة حيث ما أحوج الأمة إلى توحيد الكلمة لتجاوز التحديات العظام التي تواجهها لكن هذه الأنظمة الخنوعة والمستبدة استسلمت لأعدائها، وأهانت شعوبها، وسلبت مقدراتها، من أجل أن تبقى لفترة أطول على تلك الكراسي الفانية، التي جعلتهم يقتلون شعوبهم ويكيدون لهم”.

كما يشير إلى موقف الجمهورية الإسلامية عبر الإضاءة على كلمة قائد الثورة الإسلامية السيد علي الخامنئي القائلة إن “هذا التطبيع الفج والرخيص مع الكيان الصهيوني خيانة لاتدوم طويلاً بحق العالمين العربي والإسلامي بأسره والشعب الفلسطيني بشكل خاص، وأنه وصمة عار ستظل تلاحق هؤلاء المطبعين الذين يعملون بكل الوسائل المتاحة لديهم لتمكين العدو الصهيوني من السيطرة على مقدرات المنطقة وشعوبها وهو لايزال يمعن في انتهاكاته بحق الفلسطينيين، وبالإساءة إلى العرب والمسلمين بدعم وحماية استفزازية من قبل الإدارة الأميركية”، ويصف “الرئيس الأميركي بأنه عنصري ومعروف بفجاجة تصرفاته تجاه العرب والمسلمين واستطاع في وقت قياسي أن يحقق كل ما وعد به اللوبي الصهيوني بمصادرة ما تبقى من الحقوق الفلسطينية ضاربا عرض الحائط حتى العهود والمواثيق الامريكية السابقة فيما يتعلق بإفرازات عملية التسوية والعروض والحلول الدولية المبرمة على صعيد القضية الفلسطينية”.

الخبير الإيراني يقول إن “الإمام الخامنئي ومن منطلق قناعته التامة من أن أحد أهداف هذا التطبيع تعميق الخلافات بين الدول الإسلامية ونسف الفرص المتبقية أمام الوحدة الإسلامية، لم يغلق الأبواب تماما أمام الإمارات وغيرها من الدول المطبعة ودعاها إلى أن تفيق من غفوتها، وتثوب إلى رشدها وعفا الله عما سلف”، ويضيف “في الحقيقة لا يستطيع أي إنسان منصف أن يُنكر ما يقوم به ترامب لمصلحة الشعب الأمريكي، على الرغم من عنصرية هذا الرجل، وفجاجة تصرفاته تجاه العرب والمسلمين، وأحاديثه التي يُسيء فيها لكل من يخالف رأيه أو ينتقده، إلا أنه استطاع في وقت قياسي تحقيق كل ما وعد به في حملته الانتخابية على عدة مستويات”.

لن تتجرأ أميركا و”إسرائيل” على ارتكاب حماقة بحق إيران 

ما شهدته واشنطن في الخامس عشر من سبتمبر 2020، من توقيع اتفاقيات التطبيع هي كانت “قرارات من تحت الطاولة وأصبحت عليها”، بهذه العبارة يؤكد الخبير الأمني أن هذه هي النظرة الأولیة لإیران إلی اتفاقات التطبیع ولا فرق لدیها بین التطبیع الخفي والتطبيع العلني والإثنان واحد، منبهاً إلى أنه “لم یکتف قادة طهران بوصف خطوة التطبیع بالخطوة الخیانیة فحسب بل اعتبروها في نفس الوقت خطوة غبیة، لأنها کشفت عن بعض سرائر أصحابها وتؤكد أنها علامة وهم وليست علامة قوة حتى تخشى منها إيران فالتطبيع في أحد معانيه هو نوع من التحالف وعلى قدر توسع مساحة التحالفات تصغر مساحة القوة”. ويتابع “عندما تقول إيران أن هذه الخطوة غبية لأن المطبعين بدلا من الجنوح إلى الحكمة والاقتراب أكثر من إيران، ارتموا في أحضان أعداء المنطقة وسيد هؤلاء المعتدين وهو ترامب، ولجأوا إلى بيت عنكبوت لايوائهم في حين أن ترامب ونتنياهو كلاهما مطرودان في داخل بلادهما من قبل أبناء جلدتهما ومن خارج المنطقة بفعل قوة المقاومة ومن العالم بفعل العملاق الصيني، وهذا رهان على فرس خاسر وليس تطبيع شريف رابح”.

ينفي الخبير الأمني أن يشكل اتفاق التطبيع أي خطر على إيران، منبهاً إلى أنه “إذا كان هناك من خطر فقد يكون مابعد التطبيع تسميه إيران حماقة. والمناورات الأخيرة التي قامت بها إيران في جنوب أراضيها رغم أنها مناورات روتينة لكنها في هذه المرة تعكس حقيقة جديدة تتمثل، بتحسّب الجمهورية أن تفضي رعونة الثنائي ترامب ونتنياهو إلى ارتكاب حماقة بسبب الإفلاس الانتخابي، واحتمال أن يتحول عربان المنطقة إلى جسر لهذا الثور الهائج، وبالتالي سمعنا انطلاق تهديدات من القيادات العسكرية والسياسية في الجمهورية الإسلامية، وهي تحذر وتهدد بالرد الصاعق على أية حماقة قد يفرزها هذا التطبيع الذي قرب الصهاينة من مدى صواريخها دون حاجة لاستخدام جغرافيات أخرى لمواجهتهم”.

هذا، ويستبعد مصدق بور أن تتجرأ أميركا و”إسرائيل” على ارتكاب حماقة فهناك كوابح عديدة ستمنعهم عن ذلك كما أن زمن “أضرب واهرب” أكل عليه الدهر وشرب، مشيراً إلى أنهم يعلمون جيدا بأنهم في حصار المقاومة، وبمجرد توجيه أقل ضربة ستأتيهم ضربات صاعقة عن يمينهم وعن شمالهم، لقد انتهى زمن الثور الأبيض والثور الأسود عندما كانت “إسرائيل” تستفرد بالدول العربية دون أن ترد عليها دولة أخرى.

لمتابعتنا على وسائل التواصل الاجتماعي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى